لم يعد تساؤل الكتاب والمحللين الأمريكيين غريبا : لماذا يكرهنا الكثيرون فى العالم ؟ خاصة بعد غزو العراق وأفغانستان ، وإن كانت قصة المصريين مع أمريكا قد بدأت مبكرا ، ووصلت إلى ذروتها مع عدوان 1967 ، وقد كان د. طه حسين حاضرا فترة تطور هذه العلاقة ، وكان له موقفان من هذه العلاقة ، أحدهما شخصي والآخر عام ..
أما الموقف الشخصي لطه حسين من أمريكا فيتمثل فى قوله " ولست أدري ما للأمريكيين ومالي ؟ " ، هكذا كان رده على الدعوات التى وجهت إليه لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية ، والحصول على الدكتوراه الفخرية من جامعاتها ، إلى درجة الدفع بزوج ابنته د. محمد حسن الزيات للتأثير عليه ، ومع ذلك ظل طه حسين ثابتا على موقفه الرافض لزيارة أمريكا ، فلماذا كان هذا الموقف الذى اتخذ شكل الرد فى رسالة بعث بها طه حسين إلى زوج ابنته الدبلوماسي فى السفارة المصرية بأمريكا ؟ ثم صار هذا الموقف أكثر وضوحا ، وخرج من السر فى رسالة مغلقة إلى العلن فى مقال منشور بجريدة " الجمهورية " جريدة الثورة بعد أن بدأت تتضح النوايا الأمريكية تجاه مصر فى ذلك الوقت .
يقول طه حسين فى رسالته لزوج ابنته د. محمد حسن الزيات ، مبررا رفضه زيارة أمريكا :
" أما زيارتنا لأمريكا فأمر بعيد كل البعد ، أولا لأن سوزان ليست راغبة فى هذه الزيارة بحال من الأحوال ، لبعد أمريكا ومشقة السفر إليها ، وإشفاقها على من عناء هذه الزيارة ، ومن الحياة الأمريكية المرهقة ، وثانيا لأني قد بلغت من السن ما يزهدني فى مثل هذا النشاط ، وما يمكن أن يكون وراءه من ألوان الغرور . ولن أسعى إلى مثل هذه الزيارة لا عند السفير المصري ولا عند الحكومة ولا عند الأمريكان ، ولن أتكلف مثل هذه المشقة إلا أن أكره عليها إكراها . وما أعرف أن أحدا يحاول إكراهي على ما لا أحب ، فأرح نفسك إذن من التفكير فى زيارتنا لأمريكا ، وأرح نفسك من التفكير فى الدكتوراه الفخرية إلا أن تفكر فيها لنفسك ، أما أنا فقد زهدت فى هذه الأشياء كلها زهدا أي زهد ، وعسى أن أكون قد كرهتها ... وقد سألت كلود ( ابنه مؤنس ) فرأيته زاهدا فى زيارة أمريكا زهدا شديدا ، ولست أدري لماذا ؟
فأنا شخصيا لا أحب شيئا كما أحب السفر والاستكشاف ، ولكن الشباب يفكرون على نحو غير النحو الذى أفكر أنا فيه ، وأكبر الظن أن كلود لا يكره زيارة أمريكا إذا استطاع أن يزورها حرا على نفقته أو على نفقة أسرته لا على نفقة مصر أو أمريكا ، فهو شديد الحرص على حريته واستقلاله .
ولست أدرى ما للأمريكيين ومالي ، فهم يضطهدونني بالدعوات وطلب المقالات ، وليسمعوني كما يقول أبو العلاء جعجعة ولا يروني طحنا . وأكبر الظن أنك أنت وزوجك مصدر هذه الدوشة الأمريكية التى لا طائل منها ولا غناء فيها " .
هذا على المستوى الشخصي ، أما المستوى العام فقد كتب طه حسين فى الصفحة الأولى من جريدة " الجمهورية " فى 19 نوفمبر 1955 بعنوان " صرح الحق " يتناول فيه السياسة الأمريكية التى تكيل بمكيالين بين العرب وإسرائيل ، أو كما يقول : " وكذلك صرح الحق مما كانت تخفيه الضمائر ، وأعلن ما كانت تسره القلوب ، وأظهرت الولايات المتحدة نفسها واضحة جلية لا يحيط بها غموض أو إبهام ، فهي لا تعدل بإسرائيلها أحدا ، ولا ترى بأسا أن تفقد ثقة المصريين بها ، واطمئنانهم إليها . وتفقد مع ثقة المصريين هذه ثقة الأمة العربية كلها ، لا تستثني منها إلا الذين يؤثرون المنافع العاجلة على المصالح المحققة الباقية . وهي تريد من المصريين ومن العرب كافة أن يكونوا لها صديقا ، وأن يحرصوا على مودتها ، ويرغبوا فى معونتها ، لا لأنها تريد أن تصفهم بالود ، ولا أن تخلص لهم فى العون ، بل لأنها تريد أن تتخذهم وسيلة للتفوق والغلب ، وأداة لمقاومة من تراهم لها عدوا ، والانتصار عليهم إذا جد الجد ، لا تفكر إلا فى ذلك ، ولا تحفل بمصالح هؤلاء المصريين والعرب ، ولا بكرامتهم ولا بحقهم فى أن يعيشوا أحرارا فى بلادهم ، آمنين فى أوطانهم ، كراما فى عالمها الذى تسميه العالم الحر ، لا تريد من هذا كله شيئا ، دون أن تعرف لهم أيسر الحق فى أن يطمحوا إلى العدل الذى هو حق من حقوق الإنسان ، لأنه إنسان لا لشئ آخر .
وكل ما يهم الولايات المتحدة الأمريكية هو أن تنمو إسرائيلها وتقوي وتشتد ، وتملك من أسباب القوة والبأس ما يتيح لها أن تشن غاراتها على كل الأوطان التى تحيط بها غير حاسبة لأحد ولا لشئ حسابا . تبين هذا كله فى غير لبس ولا غموض ، وتبين أن الولايات المتحدة تريد أن تمسك مصر وتمسك الأمة العربية كلها فى حال من الضعف لا تستطيع معها مقاومة ولا دفاعا حين تعدو عليها العاديات . والتى أعلن رئيسها روزفلت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، كما أعلن رئيسها ولسون فى أعقاب الحرب العالمية الأولي أنها – حقوق الإنسان - يجب أن تكون قوام الحياة الإنسانية فى العالم الجديد . لا تذكر هذه القيم ، فقد تبين لها أنها ليست إلا كلاما يقال اليوم لينسي غدا ، أو ليقال فى أول النهار لينسي فى آخره . وليس قيام هذه الدويلة الحبيبة إليها ، الأثيرة عندها ، وانتشار هؤلاء العرب الذين أخرجوا من ديارهم وفرضت عليهم ألوان البؤس والحرمان ، إلا دليلا واضحا كل الوضوح على أن هذه القيم العليا عند الولايات المتحدة الأمريكية وأمثالها من الدول القديمة ليست إلا كلاما يعلل به الضعفاء ، ولا يؤمن به الذين يتولونه ، ولا يغني عن أحد شيئا .
الحق الذى لا يشك فيه منذ الآن إلا المحمقون ، هو أن الأمريكيين حراص أشد الحرص على أن تكون حبيبتهم إسرائيل ، أعظم قوة وأشد بأسا من الدول العربية مجتمعة ، وإلا فكيف نفهم تسليح إسرائيل وإمدادها من أسباب البأس والقوة ، وكف هذا التسليح عن مصر وغيرها من الدول العربية الأخرى .
وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا تسلك إلى السلام فى هذا الجزء من الأرض أقرب الطرق التى تؤدى إليه ، وتؤدى إليه فى غير اضطراب ولا إسراف ولا سفك دماء ؟ ما بالها لا تفرض على إسرائيل ويفرض معها حلفاؤها من حماة الحق والعدل والحرية والأمن ، التزام القرارات التى أصدرتها هيئة الأمم المتحدة منذ سنين ؟ فلم تحفل بها إسرائيل وإنما اتخذتها هزؤا ولعبا ، وما زالت تتخذها هزؤا ولعبا لا تحفل بهيئة الأمم ولا تحفل بالدول الكبرى التى تشارك فى هيئة الأمم ، لأنها قد أمنت جانب هذه الأمم الكبرى ، ووثقت بأن الذين أقاموها ظالمين سيؤيدونها ظالمين ، لأن إسرائيل أكرم عليهم وأحب إليهم وآثر عندهم من الأمم المتحدة وقراراتها ومواثيقها .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة